المقريزي
45
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
ثم أقرأ عليه بعد صلاة الظّهر حتى نصلّي صلاة العصر . وكان أحد من شاهدته من الأفراد ، لا تكاد تذكر له كتابا في الحديث أو جزءا من أجزاء الحديث أو كتابا من كتب الفقه والأصول والنحو وغير ذلك إلا ويخرج بيّنة برواية ذلك إما سماعا أو إجازة ، فإنه كان إذا قدم الرّكب في كل عام إلى مكة طاف على الناس وسألهم حتى يظفر فيهم بأحد من أهل العلم فلا يزال به حتى يأخذ عنه . وكان ضابطا للوفيات مذاكرا بالتّراجم ، عارفا بالقراءات ، لا يزال يشكو الزّمان وأهله . أفادني كثيرا ونفعني اللّه به مع ضنّته بما عنده نفعا كبيرا ، وما زال بمكة حتى مات بها سحر يوم الأربعاء الخامس والعشرين من صفر سنة إحدى وثماني مائة ، ودفن بالمعلاة . وكان خيّرا ، متديّنا ، غاليا في مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه ، يرى أن العبادات كلّها لا تصحّ إلا على مذهبه رحمه اللّه وعفى عنه . أخبرني شيخنا المسند المعمّر أبو عبد اللّه محمد بن ضرغام ابن سكّر المقرئ بمكة شرّفها اللّه قال : قدم عليّ فخر الدين عثمان البلبيسي الضّرير إمام الجامع الأزهر فتذاكرنا بسطح الجامع الحاكمي ساعة فكان مما قال لي : إن الجانّ تقرأ عليّ القرآن ، وقد أخبروني أن الفناء يقع بالناس في مصر سنة تسع وأربعين وسبع مائة ، فرحلت أنا إلى مكة سنة ثمان وأربعين وأقمت بها من حينئذ ، فبلغنا ما حلّ بمصر من شدّة الوباء في السّنة المذكورة ، ولم يقع بمكة منه شيء . حدّثني أبو عبد اللّه ابن سكّر ، قال : أخبرني غير واحد ممن شاهد الزّلزلة التي كانت بالقاهرة في سنة اثنتين وسبع مائة أنه لما عمر الأمير بيبرس الجاشنكير ما تهدّم من الجامع الحاكمي في الزّلزلة المذكورة ظهر من المئذنة التي من جهة باب الفتوح صندوق ، فلمّا فتح إذا فيه يد إنسان طريّة كأنّما قطعت في يومها ، وهي ملفوفة في قطن ، فعند ما أخرجت من القطن صعدت حتى غابت عن الأعين ، ولم يعلم خبرها . وهذه الحكاية رويتها عن شيخنا مدّة سنين ثم وقفت عليها في كتاب « السّيرة النّاصرية